‏إظهار الرسائل ذات التسميات رقائق وسلوك. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رقائق وسلوك. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 6 أبريل 2018

الحق قديم




الحق قديم ولا يؤثر في قدمه احتجابه .. وقديماً قالوا: «العود أحمد»، وفي خطاب عمر إلى أبي موسى -رضي الله عنهما- يوصيه بالتراجع عن الخطأ عندما يلوح له الصواب، فيقول: "ولا يمنعك قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل".
قال السرخسي -رحمه الله- معقباً على كلام الفاروق -رضي الله عنه-: "وليس هذا في القاضي خاصة، بل هو في كل من يبين لغيره شيئا من أمور الدين، الواعظ والمفتي والقاضي في ذلك سواء، إذا تبين له أنه زل فليُظهر رجوعه عن ذلك، فزلة العالم سبب لفتنة الناس .. وقوله: «الحق قديم»؛ يعنى هو الأصل المطلوب، ولأنه لا تنكتم زلة من زل، بل تظهر لا محالة، فإذا كان هو الذي يظهر على نفسه كان أحسن حالاً" [ المبسوط : 16 / 62 ] .
وقال أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه-: "الحق قديم لا يخلق، وإن لكم في الحق سعة، ومن ضاق عنه الحق فالباطل عنه أضيق".
وقال بعض أهل العلم: "إن الشريعة ثابتة، لكن الفقه اجتهادي، ولذا كان للشافعي قولان، وغيّر تلاميذ أبي حنيفة ثلثي مذهب إمامهم، وتعددت الروايات عن الإمام أحمد في المسألة الواحدة، ولم يكونوا يخرجون بذلك عن كلمة عمر الشهيرة «ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي» وقوله لأبي موسى: «ولا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس ثم هديت فيه إلى رشدك أن تراجع الحق، فإن الحق قديم»، وجاء رجل للإمام أحمد بكتاب قال: سميته «اختلاف العلماء»، فقال له الإمام أحمد: لا تسمه اختلاف العلماء، سمه: «كتاب السعة»".
ليس من أخطأ الصواب بمخط … أن يؤب لا ولا عليه ملامة
إنما المخطئ المسيء إذا ما … ظهر الحق لجّ يحمي كلامه
حسنات الرجوع تذهب عنه … سيئات الخطا وتنفي الملامة
إن الأوبة إلى الحق سلوك نبيل، وفضيلة لا تدانيها فضيلة .. تجرد عن الهوى، وإذعان للحق، وقبوله للصواب ممن كان صغيراً أو كبيراً؛ فإن الحق أكبر من كل الناس، والحق أكبر من كل كبير.
والمسلم الحق عادلا في أقواله وأفعاله؛ لأن الحق قديم في تراثه، والعدل عريق في مجتمعه، والإنصاف مقدس في معتقده.
وما إصرار المخطئ على خطئه بعد قيام الحجة عليه، ووضوح المحجّة بين يديه، إلا ضرب من ضروب المكابرة، لا يصير إليها إلا مخذول أخذته العزّة بالإثم، فآثر العاجل على الآجل، وهذا حال علماء السوء الذين ابتليت بهم الأمّة قديماً وحديثاً، ولهؤلاء خطر داهمٌ تتعيّن مقابلته بالنكير والتحذير.
روى مسلم في صحيحه عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس).
وروى أحمد وغيره بإسناد حسن عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه قال لكعب: إني أسألك عن أمر فلا تكتمني. قال: والله لا أكتمك شيئاً أعلمه. قال: ما أخوف شيءٍ تخافه على أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- ؟ قال: أئمة مضلون. قال عمر: صدقت، قد أسر ذلك إليَّ وأعلمنيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
وقال عبد الله بن المبارك -رحِمَه الله-:
وهل أفسد الدين إلا .. الملوك وأحبار سوء ورهبانها
ومثل (أحبار/علماء) السوء كما روي عن المسيح عليه السلام: كمثل صخرة وقعت في فم النهر، لا هي تشرب ولا هي تترك الماء يخلص إلى الزرع، أو كمثل قناة الحُش ظاهرها جص وباطنها نتن، أو مثل القبور ظاهرها عامر وباطنها عظام. [إحياء علوم الدين: 1/74].
يقول الشوكاني -رحمه الله-: "من آفات التعصب الماحقة لبركة العلم أن يكون طالب العلم قد قال بقول في مسألة كما يصدر ممن يفتي أو يصنف يناظر غيره ويشتهر ذلك القول عليه؛ فإنه يصعب عليه الرجوع إلى ما يخالفه وإن علم أنه الحق، وتبين له فساد ما قاله، ولا سبب لهذا الاستصعاب إلا تأثير الدنيا على الدين؛ فإنه قد يسول له الشيطان أو قد تسول له نفسه الأمارة بالسوء، أن ذلك ينقصه ويحط من رتبته، ويخدش في تحقيقه ويغض من رئاسته، وهذا تخيل مختل وتسويل باطل؛ فإن الرجوع للحق يوجب له من النبالة والجلالة وحسن الثناء ما لا يكون في التصميم على الباطل، بل ليس في التصميم على الباطل إلا محض النقص والإزراء بصاحبه، والاستصغار لشأنه؛ فإن منهج الحق واضح كالمنار يفهمه أهل العلم ويعرفون براهينه، وقد قال أهل العلم في ذلك مقالات كثيرة، ومن شأن الصحابة في مشورتهم، وقصة عمر -رضي الله عنه- في المرأة التي ماتت وتركت زوجاً وأماً وأخوة لأم وأخوة أشقاء في الميراث، فقضى للأم بالثلث فاحتج عليه الإخوة الأشقاء، وقالوا: إن الأخوة من الأم ورثوا لأمهم وهي أمنا، وهب أن أبانا كان حماراً أو كان حجراً ملقاً في اليم أي كأنه ما كان، فما كان من عمر إلا أن أشرك بينهم، فقيل له قد قضيت في أول العام بخلاف هذا، فقال: «ذاك على ما قضينا، وهذا على ما نقضي».
وعن يزيد بن عميرة قال: كان معاذُ لا يجلس مجلساً للذكر إلاَّ قال: الله حَكَمٌ قِسْطٌ، هلَكَ الْمُرتابون، إنَّ مِنْ ورائكم فِتَناً يَكثرُ فيها المالُ، ويُفتحُ فيها القرآنُ، حتى يَأخُذَهُ المؤمنُ والمنافقُ، والرَّجلُ والمرأةُ، والصغيرُ والكبيرُ، والعبدُ والْحُرُّ، فيوشِكُ قائلٌ أنْ يقول: ما للناس لا يَتَّبعونِي وقدْ قرأتُ القرآنَ، ما هُمْ بمُتَّبِعيَّ حتَّى أبتدعَ لَهم غيرَهُ، فإيَّاكم وما ابتُدعَ فإنَّ ما ابتُدع ضلالةٌ، وأُحذِّركم زَيْغَةَ الحكيمِ، فإنَّ الشيطانَ قد يقولُ كلمةَ الضلالةِ على لسان الحكيم، وقد يقولُ المنافقُ كلمةَ الحقِّ، قالَ: قلتُ لمعاذ: ما يُدرينِي رحمكَ الله أنَّ الحكيمَ قد يقولُ كلمةَ الضلالةِ، وأنَّ المنافقَ قدْ يقولُ كلمةَ الحقِّ، قال: بلى، اجتنب مِنْ كلام الحكيمِ المشتبهاتِ التي يُقالُ لها: ما هذه [يعني: أنك تستنكرها]، ولا يَثْنِينَّكَ ذلكَ عنه، فإنه لعلَّه أنْ يُراجع، وتلَّقَ الحقَّ إذا سمعته، فإنَّ على الحقِّ نوراً.

د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com


الثلاثاء، 4 أكتوبر 2016

الشيب .. النذير العريان





شعرات بيضاء تتسرب إلى سواد اللحية والرأس .. قليلة لكنها مقلقة، وبيضاء لكن الجميع لا يحبونها .. إنها أمارة الكبر وعلامة الكهولة ونذير لأيام العمر التي تسرب منها الكثير دون أن ندري. خاصة وأن هذه الشعرات لها أخوات سرعان ما يظهرن تباعا، وقرينات ربما غطين سواد الرأس في سرعة خاطفة.
والشيب رسالة لا يقرؤها إلا الفطناء، ولا ينتبه لها إلا أهل العقل والرشد، فتراهم يلتفتون لأحوالهم ويصححون مسارهم ليحسن مآلهم، أما الغافلون فهم لا ينتبهون، وإن انتبهوا رأوا في الشيب سنة عابرة وظاهرة ماضية في البشر، ورأى بياض رأسه وما اعتبر.
من نام في ليل الشاب ضلالة ... سيوقظه صبح المشيب إلى الرشد
قال تعالى: {أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ} [فاطر:37]
أي: أَوَلَم نعمركم تعميراً يتذكر فيه المتذكر. وهو متناول لكل عمر يتمكن منه المكلّف من إصلاح شأنه، والتدبُّر في آياته، وإن قصُر، إلا أن التوبيخ في المتطاول أعظم. وقيل: هو ثماني عشرة سنة. وقيل: ما بين العشرين إلى الستين، وقيل: أربعون. وروي أن العبد إذا بلغ أربعين سنة ولم يتب، مسح الشيطان على وجهه. وقال: "وجه لا يُفلح أبداً"، وقيل: ستون. وعنه صلى الله عليه وسلم: «العمر الذي أعذر الله فيه ابن آدم ستون سنة»، وفي البخاري عنه عليه السلام: «أعذر الله إلى أمريء أخر أجله حتى بلغ ستين سنة». [البحر المديد: 5/187]
{وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ} قال بعض أهل التفسير: النذير: الأنبياء، كل نبي نذير أمته. لكن جمهور أهل التفسير على أن النذير: «الشيب»، قاله ابن عباس، وعكرمة، وسفيان، ووكيع، والحسن بن الفضل، والفراء، والطبري.
قال أبو العباس: "كانت العرب تذكر الشيب في أشعارها إمّا مدحاً وإما ذمّاً، وشعرهم في ذمه أكثر منه في مدحه. ويروى أنه قيل: ما بالُ شِعركم في الشيب أحسن أشعاركم في سائر أقوالكم؟ قالوا: لأنا نقوله وقلوبنا قَرِحة".
وقال يونس النحوي: "ما بكت العربُ على شيء بكاءها على الشباب، وما بلغت كُنْهَ ما يستحق"
ويروى أن بعضهم رأى يوماً شيبة في رأسه فقال: "شر بديل، وخير مبدول".
قال أبو العتاهية:
الشيبُ كُرهٌ وكُرهٌ أن يفارقني .. أعْجِب بشيء على البغضاءِ مَودود
يمضي الشبابُ وقد يأتي له خلَفٌ .. والشيب يذهب مفقوداً بمفقود
وقال علي بن جبلة:
ألقى عصاهُ وأرخى من عِمامته .. وقال ضيفٌ فقلت الشيب قالَ أجَلْ
فقلتُ أخطأتَ دارَ الحيّ قال ألا .. تمّت لك الأربعون الحول ثم نزَلْ
للهِ شيبٌ رمى قلبي بلَوعته .. كأنما اعْتَمَّ منهُ مَفرِقي بجبَلْ
ولأبي العتاهية:
يا خاضبَ الشيبِ بالحِنّاءِ تستُرَهُ .. سلِ الملِيكَ له سِتراً من النارِ
لن يرحلَ الشيبُ عن دارٍ ألمَّ بها .. حتى يُرحِّلَ عنها صاحبَ الدارِ
وقال الهيثم بن عدي: لقي رجل الهيثمَ بنَ الأسود فقال له: كيف تجدك يا أبا العُريان؟ قال: أجدني صالحا، وأصبحت على ذاك قد ابيض مني ما كنت أحب أن يسود، واسودّ مني ما أحب أن يبيضّ، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين، ولان مني ما كنت أحب أن يشتد.
النذير العريان
قال القرطبي: يقال إن ملكاً من اليونان استعمل على ملبسه أمة أدّبها بعض الحكماء، فأرته يوماً المرآة فرأى في وجهه شعرة بيضاء فقصها، فأخذتها الأمة وقبلتها ووضعتها بكفها وأصغت إليها. فقال الملك: أي شيء تصغين؟! قالت: سمعت هذه المبتلاة بفقد قرب الملك تقول قولاً عجباً. قال: ما هو؟ قالت: لا يتجرأ لساني على النطق به. قال: قولي آمنة ما لزمت الحكمة. قالت: تقول أيها الملك المسلط على أمد قريب، إني خفت بطشك بي فلم أظهر حتى عهدت إلى بناتي أن يأخذن بثأري، وكأنك بهنّ وقد خرجن عليك، فإما أن يجعلن الفتك بك، وإما أن ينقصن شهوتك وقوتك وصحتك حتى تعد الموت غنماً. فقال: اكتبي كلامك. فكتبته، فتدبره ثم نبذ ملكه.
نور المسلم
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه-، قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا تنتفوا الشيب، فإنه نور المسلم، من شاب شيبة في الإسلام، كتب الله له بها حسنة، وكفر عنه بها خطيئة، ورفعه بها درجة) [رواه أحمد]
وروي بلفظ: (الشيب نور المؤمن، لا يشيب رجل شيبة في الإسلام إلا كانت له بكل شيبة حسنة، ورفع بها درجة) [رواه البيهقي في الشعب]
وعن فضالة بن عبيد -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: (من شاب شيبة في سبيل الله [وفي رواية: في الإسلام]؛ كانت له نورا يوم القيامة). فقال رجل عند ذلك: فإن رجالا ينتفون الشيب؟ فقال: (من شاء؛ فلينتف نوره). [رواه أحمد والطبراني]
قال الغزالي: "وإنما نهى عن نتف الشيب من نحو لحية أو رأس لأنه نور ووقار، والرغبة عنه رغبة عن النور، ولأنه في معنى الخضاب بالسواد".
وقال الشوكاني في نيل الأوطار: "والتصريح بكتب الحسنة ورفع الدرجة وحط الخطيئة، نداء بشرف الشيب وأهله، وأنه من أسباب كثرة الأجور، وإيماء إلى أن الرغوب عنه بنتفه رغوب عن المثوبة العظيمة".
فجر المشيب
فجر المشيب أوضح فجر يعاينه الإنسان، وهو فجر صادق لا يعتريه كذب ولا بهتان، فينبغي أن يكون بداية حياة جديدة عامرة بالتقوى والإيمان، ومجافاة أهل الضلال والخذلان، فالسعيد من قبل النذارة، والرشيد من رأى المنارة، فاهتدى بنورها، وسار على دربها، فبياض شيب المعتبرين، بيض وجههم يوم لقاء رب العالمين {يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكْفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُواْ الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [آل عمران: 106/107]

د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com


الأربعاء، 9 مارس 2016

كلمات الله التامات .. الواقيات المنجيات


«كلمات الله التامات» .. نور القلوب، وبهجة الأيام، وسر السعادة، ومفتاح الهداية، من تعلق بها أدرك سبل النجاة، ومن استرشد ببركتها لم تلحقه خيبة أبدا، فأكرم بها نعمة من نعم الله تعالى علينا التي لا تعد ولا تحصى.   
وكلمات الله التامات: أي التي لا يعتريها نقص، إذ يتنزه سبحانه أن يكون شيء في كلامه ناقصا أو خللا أو عيبا، كما يكون في كلام البشر.
وقيل: معنى التمام: أن ينتفع بها المتعوذ، وتحفظه من الآفات.
قال النووي: "قيل معناه: الكاملات التي لا يدخل فيها نقص ولا عيب، وقيل: النافعة الشافية، وقيل: المراد بالكلمات هنا القرآن، والله أعلم".
وقال التوربشتي وصفها بالتمام لخلوها عن العوائق والعوارض فإن الناس متفاوتون في كلامهم واللهجة وأساليب القول،‌ فما منهم من أحد إلا وفوقه آخر في معنى أو معان كثيرة،‌ ثم إن أحدهم قلما يسلم من معارضة أو خطأ أو سهو أو عجز عن المراد،‌ وأعظم النقائص المقترنة بها أنها كلمات مخلوقة تكلم بها مخلوق مفتقر إلى أدوات ومخارج، وهذه نقيصة لا ينفك عنها كلام مخلوق،‌ وكلمات الله تعالى متعالية عن هذه القوادح فهي التي لا يتبعها نقص ولا يعتريها اختلال.
وكلمات الله التامات اشتملت على العدل والصدق، كما قال تعالى: {وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً} [الأنعام:115].
الكلمات الكونية
كلمات الله التامات إما أن تكون (كلمات كونية قدرية)، وإما (كلمات شرعية) .. أما الكونية فهي الكلمات التي يدبر بها الله تعالى أمر الخلائق والتي ذكرها عز وجل في قوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [النحل:40] فيحمي الله تعالى المؤمن بكلماته الكونية ويدفع عنه ما يضره.
سَأَلَ رَجُلٌ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ خَنْبَشٍ كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ كَادَتْهُ الشَّيَاطِينُ؟ قَالَ: جَاءَتْ الشَّيَاطِينُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَوْدِيَةِ وَتَحَدَّرَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْجِبَالِ وَفِيهِمْ شَيْطَانٌ مَعَهُ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ يُرِيدُ أَنْ يُحْرِقَ بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: فَرُعِبَ -قَالَ جَعْفَرٌ: أَحْسَبُهُ قَالَ: جَعَلَ يَتَأَخَّرُ- قَالَ: وَجَاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ قُلْ. قَالَ: مَا أَقُولُ؟ قَالَ: قُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السَّمَاءِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وَمِنْ شَرِّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ، وَمِنْ شَرِّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا، وَمِنْ شَرِّ فِتَنِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ شَرِّ كُلِّ طَارِقٍ إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ. فَطَفِئَتْ نَارُ الشَّيَاطِينِ، وَهَزَمَهُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَل". [أحمد والطبرانى، صحيح الجامع74].
فالكلمات الكونية هي التي يكون الله تعالى بها الأشياء ويقدرها، فهي التي لا يجاوزها بر ولا فاجر. أما كلماته الدينية الشرعية فإن الفجار يتجاوزونها، يعني: يعصون أوامره، ويرتكبون نواهيه، بخلاف الكلمات الكونية فإنه لا أحد يستطيع أن يتعداها، فالكون كله يسير على وفق تقديره وتكونيه جل وعلا، والعباد كلهم مسخرون تجري عليهم أقداره وقهره، ولا أحد يستطيع أن يخالف قدر الله جل وعلا وتكوينه.
جاء في كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح لابن تيمية: "والكلِمَاتُ الكونِيَّةُ، مِثْلُ قَولِ النَّبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: «أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ، الَّتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ، وَلَا فَاجِرٌ»". ويقول: "وَمن الْمَعْلُوم أَن هَذَا هُوَ الكوني الَّذِي لَا يخرج مِنْهُ شَيْء عَن مَشِيئَته وتكوينه".
قال ابن القيم: "وقوله صلى الله عليه وسلم: «أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق» فهذه كلماته الكونية التي يخلق بها ويكون، ولو كانت الكلمات الدينية هي التي يأمر بها وينهى لكانت مما يجاوزهن الفجار والكفار".
وعن خولة بنت حكيم السلمية -رضي الله عنها- أنها سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «إذا نزل أحدكم منزلا فليقل أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل منه» [مسلم]
قال فضيلة الشيخ صالح آل الشيخ: المقصود بـ «كلمات الله التامات» هنا الكلمات الكونية التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وهي المقصودة بقوله جل وعلا: {قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي} [الكهف: 109] وبقوله: {وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ} [لقمان: 27]
قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يضرّه شيء): أي من المخلوقات؛ لأن الأدوية الإلهية تمنع من الداء بعد حصوله وتمنع من وقوعه وإن وقع لم يضر. و(شئ) نكرة فتعم، ودخل فيه سائر المضرات من الداخل وهو النفس والهوى، ومن الخارج وهو الشيطان وغيره من المؤذيات.
ولقد كان في الجاهلية إذا سافر الرجل، وصار بأرض قفر، وخاف على نفسه من الجن، يقول: أعوذ بسيد هذا الوادي، فيبيت آمناً في جواره. يعني: الجني المشرك، أو المسيطر على هذا الوادي، فيقول الجن: قد سدنا الجن والإنس، قال تعالى: {وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا} [الجن:6] أي شركاً وكفرا.
وأخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (562) مرسلا .. عن سليمان بن يسار وبسر بن سعيد. قالا: جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: لدغتني عقرب. فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أما لو أن قلت حين أمسيت: أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق لم يضرك».
قال المناوي: ويحصل ذلك لكل داع بقلب حاضر وتوجه تام ولا يختص بمجاب الدعوة.
وقال القرطبي: هذا خبر صحيح وقول صادق علمنا صدقه دليلا وتجربة، فإني مذ سمعت هذا الخبر عملت عليه فلم يضرني شيء إلى أن تركته، فلدغتني عقرب ليلا، فتفكرت في نفسي فإذا بي قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات .
قال الزرقاني: (فإنه لا يضره شيء من المخلوقات حتى يرتحل منه): وشرط نفع ذلك الحضور والنية وهي استحضار أنه صلى الله عليه وسلم أرشده إلى التحصن بالله، وأنه الصادق المصدوق، فلو قاله أحد واتفق أنه ضره شيء فلأنه لم يقله بنية وقوة يقين، وليس ذلك خاصا بمنازل السفر بل عام في كل موضع جلس فيه أو نام، وكذلك لو قالها عند خروجه للسفر أو عند نزوله للقتال.
الكلمات الشرعية
الكلمات الشرعية هي الوحي من القرآن، وفيها وقاية من كل سوء وشر .. وقاية من الشر قبل نزوله وبعد نزوله، أما قبل نزوله فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- (أن من قرأ آية الكرسي في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ ولا يقربه شيطان حتى يصبح) [البخاري] وأما بعد نزوله فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم (أن الفاتحة إذا قرئ بها على المريض فإنه يبرأ بها) [البخاري] حتى إن الصحابي -رضي الله عنه- لما قرأ الفاتحة على سيد القوم الذي لدغ قام كأنما نشط من عقال [يعني: برأ حاله] لأن القرآن شفاء، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس:57]
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمِ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ». [الترمذى، صحيح الجامع 701].
قال ابن القيم رحمه الله: "فمن التعوذات والرقى: الإكثار من قراءة المعوذتين وفاتحة الكتاب وآية الكرسي، ومنها التعوذات النبوية نحو: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. ونحو: أعوذ بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. ونحو: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر من شر ما خلق وذرأ وبرأ .. وحسبي الله ونعم الوكيل عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. ومن جرب هذه الدعوات والعوذ عرف مقدار منفعتها، وشدة الحاجة إليها؛ وهي تمنع وصول أثر العائن وتدفعه بعد وصوله بحسب قوة إيمان قائلها وقوة نفسه واستعداده، وقوة توكله وثبات قلبه؛ فإنها سلاح. والسلاح بضاربه".

د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com

الأحد، 19 أبريل 2015

الإنسان بين الحياة والموت



نعمة الاستخلاف في الأرض والعيش في أرجائها والمشي في مناكبها فتنة وابتلاء، وليس أعظم من فتنة النعماء وامتحان السراء، لأن الرخاء ينسى، والمتاع يُلهي، والثراء يطغي، في دنيا مستطابة في ذوقها، معجبة في منظرها، مؤنقة في مظهرها، الفتنة بها حاصلة، وعدم السلامة منها غالبة، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء» [رواه مسلم]   
قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ}[الملك:2] أي ليبلوكم أيكم له أطوع، وإلى مرضاته أسرع، وعن محارمه أورع.
يقول على الطنطاوي رحمه الله: ثلاثون سنة ما خرجت منها إلا بشيء واحد، هو أني رأيت الحياة كمائدة القمار، فمن الناس من يخسر ماله ويخرج ينفض كفه، ومنهم من يخرج مثقلا بأموال غيره التي ربحها، ومنهم من يقوم على الطريق يمسح الأحذية، ومن يمد إليه حذاءه ليمسحه له، ومن ينام على السرير، ومن يسهر في الشارع يحرس النائم، ومن يأخذ التسعة من غير عمل، ومن يكد ويدأب فلا يبلغ الواحد، وعالم يخضع لجاهل، وجال يترأس العلماء، ورأيت المال والعلم والخلق والشهادات قسما وهبات، فرب غني لا علم عنده، وعالم لا مال لديه، وصاحب شهادات ليس بصاحب علم، وذي علم ليس بذي شهادات، ورب مالك أخلاق لا يملك معها شيئا، ومالك لكل شيء ولكن لا أخلاق له، ورأيت في مدرسي المدارس من هو أعلم من رئيس الجامعة، وبين موظفي الوزارة من هو أفضل من الوزير .. ولكنه الحظ، أو هي حكمة الله لا يعلم سرها إلا هو، ابتلانا بخفائها لينظر: أنرضى أم نسخط. (1)  
من الذي أمننا في الدور؟ من الذي أرخى علينا الستور؟ من الذي صرف عنا البلايا والشرور، والفتنة حولنا تدور؟ أليس هو الرحيم الغفور؟ فما لنا قد كثرت منا العثار، وقل منا الاعتبار والادكار؟ ما لنا لبسنا ثوب العصيان والغفلة والنسيان؟ غرنا بالله الغرور، برجاء رحمته عن خوف نقمته، وبرجاء عفوه عن رهبة سطوته (2)
عن ابن السماك يحدث قال: بينما صياد في الدهر الأول يصطاد السمك، إذ رمى بشبكة في البحر فخرج فيها جمجمة إنسان، فجعل الصياد ينظر أليها ويبكي، ويقول: عزيز فلم تترك لعزك، غنى فلم تترك لغناك، فقير فلم تترك لفقرك، جواد فلم تترك لجودك، شديد فلم تترك لشدتك، عالم فلم تترك لعلمك .. يردد هذا الكلام ويبكي.
ولدتك إذ ولدتك أمك باكيا ... والقوم حولك يضحكون سرورا
فاعمل ليوم تكون فيه إذا بكوا ... في يوم موتك ضاحكا مسرورا
كلكم يبكي لنفسه 
كان بالبصرة عابد حضرته الوفاة .. فجلس أهله يبكون حوله فقال لهم أجلسوني, فأجلسوه فأقبل عليهم وقال لأبيه: يا أبت ما الذي أبكاك؟ قال: يا بني ذكرت فقدك وانفرادي بعدك. فالتفت إلى أمه, وقال: يا أماه ما الذي أبكاك؟ قالت: لتجرعي مرارة ثكلك, فالتفت إلى الزوجة, وقال: ما الذي أبكاك؟ قالت: لفقد برك وحاجتي لغيرك, فالتفت إلى أولاده, وقال: ما الذي أبكاكم؟ قالوا: لذل اليتم والهوان من بعدك, فعند ذلك نظر إليهم وبكى.
فقالوا له: ما يبكيك أنت؟ قال أبكي لأني رأيت كلا منكم يبكى لنفسه لا لي. أما فيكم من بكى لطول سفري؟ أما فيكم من بكى لقلة زادي؟ أما فيكم من بكى لمضجعي في التراب؟ أما فيكم من بكى لما ألقاه من سوء الحساب؟ أما فيكم من بكى لموقفي بين يدي رب الأرباب؟ ثم سقط على وجهه فحركوه, فإذا هو ميت.
ملوك الدنيا
قال معاوية -رضي الله عنه- عند موته لمن حوله: أجلسوني .. فأجلسوه .. فجلس يذكر الله, ثم بكى، وقال: الآن يا معاوية، جئت تذكر ربك بعد الانحطام والانهدام, أما كان هذا وغض الشباب نضير ريان؟! ثم بكى وقال: يا رب, يا رب, ارحم الشيخ العاصي ذا القلب القاسي .. اللهم أقل العثرة، واغفر الزلة، وجد بحلمك على من لم يرج غيرك، ولا وثق بأحد سواك .. ثم فاضت روحه رضي الله عنه.
ويروى أن الخليفة عبد الملك بن مروان لما أحس بالموت قال: ارفعوني على شرف, ففعل ذلك, فتنسم الروح, ثم قال: يا دنيا ما أطيبك! إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإن كنا منك لفي غرور!
ولما أحتضر أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك, نظر إلى أهله يبكون حوله فقال: جاء هشام إليكم بالدنيا وجئتم له بالبكاء, ترك لكم ما جمع وتركتم له ما حمل, ما أعظم مصيبة هشام إن لم يرحمه الله.
ولما مرض هارون الرشيد ويئس الأطباء من شفائه، وأحس بدنو أجله، قال: أحضروا لي أكفانا فأحضروا له، فاختار منها واحدا .. ثم قال: احفروا لي قبرا .. فحفروا له .. فنظر إلى القبر وقال: ما أغنى عني مالية ... هلك عني سلطانيه!
وحينما حضر الخليفة المأمون الموت قال: أنزلوني من على السرير. فأنزلوه على الأرض، فوضع خده على التراب، وقال: يا من لا يزول ملكه .. ارحم من قد زال ملكه.
وقال المعتصم عند موته :لو علمت أن عمري قصير هكذا ما فعلت!
إنه الموت
قال مطرف: إن هذا الموت أفسد على أهل النعيم نعيمهم، فاطلبوا نعيما لا موت فيه.
وقال الحسن: فضح الموت الدنيا فلم يترك فيها لذي لب فرحا.
وقال سفيان: لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون ما أكلتم منها سمينا.
وقال الأوزاعي: جئت إلى بيروت أرابط فيها، فلقيت سوداء عند المقابر، فقلت لها: يا سوداء، أين العمارة؟ قالت: أنت في العمارة، وإن أردت الخراب فبين يديك.
همة ترقيك
يقول على الطنطاوي: وجدت على نضد إبريقا من البلور الصافي طويل العنق واسع البطن، فيه نحلة قد دخلت ولم تستطع الخروج، فهي تتحفز وتتجمع وتثب متقدمة بقوة وبأس، فيضرب الزجاج رأسها ويردها، فتعاود الكرة وهي لا تبصر الجدار وإنما تبصر ما وراءه، فتحسب أنه ليس بينها وبين الفضاء حجاب. فجعلت أنظر إليها وهي تعمل دائبة، كلما ضربت مرة عادت تحاول أخرى لا تقف ولا تستريح، حتى عددت عليها أكثر من أربعين مرة، تجد الصدمة كل مرة فلا تعتبر ولا تدرك الحقيقة، ولا ترفع رأسها لتبصر الطريق وتعلم أن سبيل الفضاء وباب الحرية هو من «فوق» لا عن يمين ولا عن شمال.(3)

المصادر
(1) من حديث النفس، على الطنطاوي، ص 116
(2) فتنة الاستخلاف في الأرض، صلاح البدير، إمام وخطيب المسجد النبوي
(3) من حديث النفس، على الطنطاوي، ص 247

د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com



الثلاثاء، 31 مارس 2015

اعلم يا بني





ما أجل الكلمات الدافئة التي امتزجت بكل معاني الإخلاص عندما تخرج من قلب أغلى الناس وأحن الخلق وأعطف البشر .. «الوالد» الذي فطره الله تعالى على حب دفين لأبنائه لا يعرف المصانعة ولا التملق ولا النفاق، إنها الكنوز الحقيقية والنصائح النورانية التي يكون الولد في أمس الحاجة إليها لقلة خبرته وضعف حيلته وندره الناصح المشفق.
 
·   اعلم يا بني وفقك الله للصواب: أنه لم يتميز الآدمي بالعقل إلا ليعمل بمقتضاه، فاستحضر عقلك، واعمل فكرك، واخل بنفسك .. تعلم بالدليل أنك مخلوق مكلف، وأن عليك فرائض أنت مطالب بها، وأن الملكين يحصيان ألفاظك ونظراتك، وأن أنفاس الحي خطاه إلى أجله، ومقدار اللبث في الدنيا قليل، والحبس في القبور طويل، والعذاب على موافقة الهوى وبيل.
فأين لذة أمس؟! رحلت وأبقت ندما .. وأين شهوة النفس؟! كم نكست رأسا، وزلت قدما، وما سعد من سعد إلا بخلاف هواه، ولا شقي من شقي إلا بإيثار دنياه.
فاعتبر بمن مضى من الملوك والزهاد، أين لذة هؤلاء وأين تعب أولئك؟ بقي الثواب الجزيل، والذكر الجميل للصالحين، والمقالة القبيحة والعقاب الوبيل للعاصين، وكأنه ما جاع من جاع، ولا شبع من شبع.
واعلم أن الكسل عن الفضائل بئس الرفيق، وحب الراحة يورث من الندم ما يربو على كل لذة، فانتبه واتعب لنفسك.
واعلم أن طلب الفضائل نهاية مراد المجتهدين، ثم الفضائل تتفاوت، فمن الناس من يرى الفضائل الزهد في الدنيا، ومنهم من يراها التشاغل بالتعبد، وعلى الحقيقة فليست الفضائل الكاملة إلا الجمع بين العلم والعمل، فإذا حصلا رفعا صاحبهما إلى تحقيق معرفة الخالق سبحانه وتعالى، وحركاه إلى محبته وخشيته والشوق إليه, فتلك الغاية المقصودة وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم، وليس كل ما يريد مرادا ولا كل طالب واجدا، ولكن على العبد الاجتهاد، وكل ميسر لما خلق له، والله المستعان.
·   واعلم يا بني: أن من تفكر في الدنيا قبل أن يوجد رأى مدة طويلة، فإذا تفكر فيها بعد أن يخرج منها رأى مدة طويلة، وعلم أن اللبث في القبور طويل، فإذا تفكر في يوم القيامة علم أنه خمسون ألف سنة، فإذا تفكر في اللبث في الجنة أو النار علم أنه لا نهاية له، فإذا عاد إلى النظر في مقدار بقائه في الدنيا -فرضنا ستين سنة مثلا- فإنه يمضي منها ثلاثون سنة في النوم، ونحو من خمس عشر في الصبا، فإذا حسب الباقي كان أكثره في الشهوات والمطاعم والمكاسب، فإذا خلص ما للآخرة وجد فيه من الرياء والغفلة كثيرا، فبماذا تشتري الحياة الأبدية، وإنما الثمن هذه الساعات؟
فانتبه يا بني لنفسك، واندم على ما مضى من تفريطك، واجتهد في لحاق الكاملين مادام في الوقت سعة، واسق غصنك ما دامت فيه رطوبة، واذكر ساعتك التي ضاعت فكفى بها عظة، ذهبت لذة الكسل فيها، وفاتت مراتب الفضائل، وقد كان السلف الصالح رحمهم الله تعالى يحبون كل فضيلة ويبكون على فوات واحدة منها .. قال إبراهيم بن أدهم: دخلنا على عابد مريض، وهو ينظر إلى رجليه ويبكي، فقلنا: ما لك تبكي؟ فقال: ما اغبرتا في سبيل الله .. وبكى آخر، فقالوا: ما يبكيك؟ فقال: على يوم مضى ما صمته، وعلى ليلة ذهبت ما قمتها.
فاعلم يا بني أن الأيام تبسط ساعات، والساعات تبسط أنفاس، وكل نفس خزانة، فاحذر أن يذهب نفس بغير شيء، فترى في القيامة خزانة فارغة فتندم ولا ينفعك الندم.      
·   كتب علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- إلى ولده الحسين: من عبد الله علي أمير المؤمنين الوالد الفاني، الذام للدنيا، الساكن مساكن الموتى، إلى الولد المؤمل ما لا يدرك، السالك سبيل من قد هلك، عرضة الأسقام، ورهينة الأيام، وأسير المنايا، وقرين الرزايا، وصريع الشهوات، ونصب الآفات، وخليفة الأموات
يا بني إن بقيت أو فنيت فإني أوصيك بتقوى الله عز وجل، وعمارة قلبك بذكره، والاعتصام بحبله، فإن الله يقول: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ} [آل عمران: 103] وأي سبب يا بني أوثق من سبب بينك وبين الله عز وجل.
أحيي قلبك بالموعظة، ونوره بالحكمة، وقوه بالزهد، وذلله بالموت، وقرره بالفناء، وحذره صولة الدهر وتقلب الليالي، وأعرض عليه أخبار الماضين، وسر في ديارهم وآثارهم، فانظر ما فعلوا، وأين حلوا، فإنك تجدهم قد انتقلوا من دار الغرور ونزلوا دار الغربة، وكأنك عن قليل يا بني قد صرت كأحدهم، فبع دنياك بآخرتك، ولا تبع آخرتك بدنياك، ودع القول فيما لا تعرف، والأمر فيما لا تكلف، ومر بالمعروف بيدك ولسانك وكن من أهله، وأنكر المنكر بيدك ولسانك وباين من فعله، وخض الغمرات إلى الحق، ولا تأخذك في الله لومة لائم، واحفظ وصيتي فلا خير في علم لا ينفع، واعلم أنه لا غنى بك عن حسن الارتياد مع بلاغك من الزاد، فإن أصبت من أهل الفاقة من يحتمل عنك زادك فيوافيك به في معادك فاغتنمه، فإن أمامك عقبة كئودا لا يجاوزها إلا أخف الناس حملا.
وأجمل في الطلب، وأحسن في المكسب، فرب طلب قد جر إلى حرب، وإنما المحروب من حرب دينه، والمسلوب من سلب يقينه، واعلم أنع لا غنى يعدل الجنة، ولا فقر يعدل النار .. والسلام عليك ورحمة الله.
سل الأيام ما فعلت بكسرى               وقيصر والقصور وساكنيها
أمـا اسـتـدعتهم للمـوت طُـرا              فلم تدع الحليم ولا السفيها
دنت نحو الدني بسهم خطب             فأصمـته ولـم تـدع الوجيها
أمـا لو بـيـعـت الدنـيا بفـلس             أنِفـتُ لعاقل أن يشتـريهـا

د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com