الخميس، 29 أغسطس 2013

الزواج بين جمال الصورة وجمال الروح


من حقّـنا أن نضع الجمال في قائمـة المواصفات التي نطلبها في الزواج .. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رجلاً قال: إني تزوجت امرأة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: ( ألا نظرت إليها، فإن في أعين الأنصار شيئا !!) [النسائي]
ولمّا سئل -صلى الله عليه وسلم-: أي النساء خير؟! قال: ( التي تسره إذا نظر، وتطيعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره ) [النسائي] ومما يدل شرعا على أهمّية اعتبار الجمال: إباحة النظر إلى المخطوبة، ومعلوم أن النظر إنما أبيح ليُعرف القبح والجمال في المرأة والرجل.
ولكنّنا قد نبالغ أحياناً في شروط وأوصاف الجمال، متناسين أنّ التي تتوافر على شروطنا لها شروطها أيضاً التي قد لا تتوافر فينا، وأنّ المبالغة في التركيز على الشكل تخسرنا الجمال الآخر الذي عبّرنا عنه بـ «الجاذبية» أو «جمال الروح»، وأنّ الجمال الجسدي الخالي من الجمال الروحي ليس جمالاً بل وبالاً.
الشكل أو الجمال الظاهري مطلوب، لكنّه ليس الشرط الوحيد في تحقيق السعادة الزوجية، فهناك في هذه الحياة المشتركة الجميلة الكثير والكثير من مظاهر الجمال غير المنظر الخارجي، فهناك المودّة، وهناك الرّحمة، وهناك الألفة والعشرة والأنس، وهناك التفاني، وهناك العمل المشترك على إنشاء أسرة صالحة .. وهناك وهناك، فإذا فاتنا جمال فسيكون هناك أكثر من جمال آخر يمكن أن نتطلّع إليه، ويمكن أن ننجذب بسببه إلى الآخر.
الجوهر قبل المظهر
-  جمال الصورة تبليه السنين ولا يقبل النّماء، بعكس جمال الروح فإنه قابل للنّماء والتألّق، وهو الجمال الذي امتدحه الله تعالى بقوله: { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ } [النساء/34] .
-      جمال الصورة قابل للتنازل عنه، بعكس جمال الروح فإنه لا يقبل التنازل عنه أو التساهل فيه.
وتذكّر وصية حبيبك محمد -صلى الله عليه وسلم-إذ أوصاك بقوله: ( فاظفر بذات الدين تربت يداك ).
-  جمال الروح وجمال الطباع ينعكس على الجسد فيجعله جميلاً، أما جمال الجسد فلا يغني إذا ساءت الروح أو الطباع .. ورب ملكة جمال لا يطيق زوجها أن ينظر إليها لسوء أخلاقها وطباعها، والنفس تحب ألوان الجمال جميعًا المادي والروحي.
-  القصور في بعض ملامح الجمال الظاهري يمكن تكميله وتعويضه بعكس جمال الروح .. فلا يلزم من اشتراطك ملامح معيّنة في الجمال أن تفرّط في بعض الفرص السانحة بسبب ذلك، فمثلاً قد تجد فتاة صيّنة دينة على جمال وخلق لكنها (بدينة بعض الشيء) وأنت ترغب في فتاة غير بدينة، فالجمال من هذه الجهة ممكن أن يعوّض بمساعدتها مثلا على برنامج للحمية ونحو ذلك.
انتبه لاختيارك
·   من أكثر الأخطاء التي يقع فيها المقبلون على الزواج - سواء شابا أو فتاة - هو عدم أخذ المشورة من أهل الاختصاص ومن أهل الخبرة في الحياة العملية، سواء من الأهل أو الأصحاب. كذلك عدم إعطاء نصائحهم قيمة في هذا الصدد، مع أن مثل هذه النصائح إذا أخذت في الحسبان فإنها سوف تمنع الكثير من المشاكل التي قد تطرأ بسبب وجود تنافر في الطباع يتم التغاضي عنه تحت تأثير العاطفة والرغبة في إتمام الزواج.
·   عند تحديد بنود التكافؤ لشريك الحياة يجب الانتباه إلى أن الشخص كامل الأوصاف غير موجود، وأن عليك تحديد أولوياتك وترتبها حسب ما تحتاجه من شريك حياتك، وأي منها أساسية وأيها ثانوية، وما هي الأشياء التي تقبل التنازل عنها في بنود التكافؤ لحساب بنود أخرى، بمعنى إذا وضعت الشكل والجمال –مثلا- في أول القائمة، فعليك أن تضع في اعتبارك أن ذلك قد يكون على حساب المستوى الاجتماعي والاقتصادي -مثلا- وهكذا .
·   ما يهم في شريكي الحياة أن يلبي كل منهما احتياجات الآخر بطريقة تبادلية ومتوازنة، وهذا لا يتطلب تشابههما أو تطابقهما، وإنما يتطلب تكاملهما بحيث يكفي فائض كل شخص لإشباع حاجات الشخص الآخر.
·   اختلاف الثقافات ليس العامل الوحيد المؤثر في نجاح أو فشل العلاقة الزوجية، بل إن التعويل إنما يكون على مرونة الطرفين وقدرتهما على توظيف الاختلاف الثقافي بوصفه عنصر إثراء وتكامل، ووعيهما بحتمية التنازلات المشتركة أحيانًا، وبضرورة التفهم والتفاهم، والتعامل بروح الانفتاح وليس الإصرار على عادات أو تقاليد بعينها بوصفها الصواب، وغير ذلك خطأ.
·   الأصل أن يكون الرجل أكثر خبرة وحكمة ونضجًا من المرأة التي سيكون قوامًا عليها، ولا يعني هذا بالطبع أن تكون هي حمقاء، وبالتالي فإن العبرة في الفارق العمري أن يساهم في حصول هذا الفارق في النضج؛ لأنه في مصلحة العلاقة الزوجية.
·   من الأفضل اختيار السلامة من الأمراض والعيوب قدر الإمكان، وقد بعث الرسول -صلى الله عليه وسلم- أم سليم إلى امرأة فقال: ( انظري إلى عرقوبها وشمي معاطفها ) وفي رواية ( شمي عوارضها )، ومن المهم السلامة من أي عائق ممكن أن يمنع من الإنجاب.

د/ خالد سعد النجار


alnaggar66@hotmail.com

الخميس، 22 أغسطس 2013

تلقيح الثورة المصرية


مع ميلاد أي ثورة لابد أن تتولد ثورة مضادة، ويعتقد عالم الاجتماع (تشارلز ميلز) أن وجود الثورة المضادة هو أبلغ دليل على أن الثورة تحمل رسالة تغيير جدية.
إلا أن هذه الثورة المضادة إن لم تحاول خنق الثورة في بواكيرها، فلا أقل من اللعب في بوصلتها لتحريف اتجاهها عن المسار الصحيح، لكن أسوأ ما يمكن أن يعتري الثورة هو التسلل بخفاء في مقدراتها من قبل فلول النظام السابق في محاولة للتزاوج غير الشرعي من أجل تلقيح مشبوه للثورة كي تضع في نهاية الحمل السفاح وليدا مشوها معاقا أكثر شبها بالنظام السابق، لا يقر أعين الجماهير التي داعبتها آمال الحرية طيلة أيام المخاض.
قبل الانتخابات البرلمانية وتحديد يوم الثلاثاء (1/11/2011) فاجأ نائب رئيس الوزراء «علي السلمي» (محسوب على حزب الوفد الليبرالي) المجتمع المصري بوثيقة «إعلان المبادئ الأساسية للدستور»، وكذلك معايير تشكيل الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد للبلاد، في محاولة التفافية لتهميش دور القوى الوطنية وفرض الهيمنة على الشعب المصري حتى لا يعبر عن إرادته، مانحا في بنود الوثيقة سلطات واسعة وحصرية للمجلس العسكري تعود بمصر مرة أخرى إلى عهود الوصاية على الإرادة الشعبية واختزالها بدعوى أن النخب على وعي أكبر وأنضج بمصير الأمة، الأمر الذي يوقع مصر في نفس الخطأ التاريخي إبان عهود الفراعنة المعاصرين الذين حكموا البلاد بفردية تامة ووقعوا على معاهدات (كامب ديفيد نموذجا) وأبرموا صفات (المعونة الأمريكية) وأنشئوا تحالفات (التطبيع مع الكيان الصهيوني) على غير رغبة الشعوب، ضاربين بالاتجاه الوطني العام عرض الحائط.
وثيقة حكومية وليست شعبية
رغم أن استفتاء شعبي أجري على إعلان دستوري بعد أسابيع من إسقاط مبارك (التاسع عشر من شهر مارس 2011)، تضمن أن يختار الأعضاء المنتخبون في مجلسي الشعب والشورى جمعية تأسيسية لوضع الدستور الجديد، إلا أن وثيقة السلمي الجديدة -التي وضعتها هيئة غير منتخبة شعبيا- قامت بنودها بعملية ذبح للشفافية التي تنشدها جماهير الثورة، حيث أعطت حصانة للمؤسسة العسكرية تمنع مناقشة سياستها الداخلية أو ميزانيتها في البرلمان، على أن يتم وضع الميزانية العسكرية رقما واحدا في الموازنة العامة. كما لوحظ أن النص على أن وزير الدفاع هو القائد العام للقوات المسلحة، يهدف إلى منع الحزب الذي يشكل الحكومة من تعيين وزير دفاع مدني.
واستكملت عملية الذبح بالنص على أن يتم اختيار 80 عضوا من الجمعية التأسيسية لوضع الدستور من خارج مجلس الشعب!!.. والحد الأقصى لمشاركة الأحزاب والكتل خمسة أعضاء.
وللمجلس العسكري حق طلب إعادة النظر في مواد مشروع الدستور إذا تضمن نصا يتعارض مع مقومات الدولة والمجتمع والحقوق والحريات العامة. وإذا لم تنته الجمعية التأسيسية من الدستور خلال ستة شهور يختار المجلس العسكري جمعية جديدة بحريته لوضع الدستور خلال ثلاثة شهور.
 كل هذا تحت مبرر أن الدستور الجديد لابد أن يضعه أهل الاختصاص، لكن د. عصام العريان (نائب رئيس حزب الحرية والعدالة/ الإخوان المسلمون) رفض هذا الالتفاف بأن الدستور يجب أن تضعه مجموعة من الخبراء ذوي الخبرة وبالتالي يجب الاتفاق على أسس اختيار اللجنة التأسيسية. وقال: «من الذي قال إن البرلمان لن يختار الخبراء الدستوريين ذوي الثقة، البرلمان سيختار أكثر الناس توافقاً وسيكونون ضمن لجنة المائة»
أما مرشح الرئاسة د. محمد سليم العوا، فقد قال أنه عندما ذهب إلى اجتماع الدكتور علي السلمي نائب رئيس الوزراء فوجئ بوجود نسبة عالية من الفلول والأحزاب الكرتونية التي لا يوجد لها أرضية في الشارع المصري.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: من الذي أعطي السلمي أو المجلس العسكري هذه الوصاية على الشعب، كي يرسموا معالم الدستور الجديد، بصرف النظر عن محتواه إيجابا أو سلبا؟! .. إن الجيش مؤسسة وطنية ملك للشعب وذات مسئولية محددة في حماية الوطن، ومسئولية مؤقتة الآن في حماية الثورة وتسليمها لرئيس ترتضيه الجماهير فقط، أما الحقوق -من أي نوع- فقد آلت للشعب فقط صاحب الثورة، وهو الوحيد صاحب الحصانة التي لن يهبها لأحد بعد الآن .. لابد أن تعرف مصر الجديدة ونخبها أن هذا الشعب ليس عقيما في فكره ولا يجهل طريقه، ولا يحتاج لمن يوجهه، وهو غني بكوادره القادرة على تحمل مسئوليته بتكليف منه وحده وبموافقة ضمنية على محاسبته لها.
لكن أن تقوم هيئة بحذف 80 فرد منتخب من لجنة صياغة الدستور، وتحديد معالم لمن تختارهم هي وتفضلهم على من اختارهم الشعب، مع قصر القوى الوطنية في 20 فرد فقط، فهذه ردة إلى العهود البائدة، وتقمص دور لم تعتمده القوى الوطنية، وقفز من نوع مكشوف لركوب موجة الثورة.
والعجيب أن تأتي بعض رموز القوى الليبرالية وتؤيد هذه الوصاية، وتعطي لأنفسها الحق الكامل في الحديث عن الشعب، وتقع في نفس الخطأ الذي وقعت فيه وثيقة السلمي، وتتنصل من استفتاء مارس الشعبي.
كل هذا -وبصراحة تامة- نتيجة الخوف من مشاركة الإسلاميين في الساحة السياسية، لما يتمتعون به من شعبيه عارمة، برزت بعدما سئمت الشعوب من لا يتقون الله تعالى فيها. وهذا الرعب الغير مبرر من القوى الليبرالية يهول الأمر وكأن الإسلاميون وحدهم هم الذين سيكتبون الدستور!!      
إن هذه الوثيقة لهي أكبر دليل على تغلغل فلول النظام السابق في المشهد السياسي المصري بعد الثورة، وأن سياسة الإقصاء ما زالت مخيمة على فكر بعض الرموز، وأنه من الطبيعي أن تنال سيل من أقبح الأوصاف من كتابنا ومحللينا: ( السم القاتل، الفضيحة السياسية، الوثيقة المشبوهة، فتنة دستور السلمي ... ).

د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com


السبت، 3 أغسطس 2013

صلاة التراويح.. وقفات فقهية (3)


 


صلاة التراويح من العبادات التي تحمل الكثير من الذكريات الرمضانية الجميلة حيث الاجتماع والوحدة وسماع القرآن بأصوات ندية والدعاء والتضرع والقنوت.. وكثير من العبادات الروحانية والإيمانية الرائعة.

ولما كان مقصد العبادة الأعظم القبول عند الرحمن والتطلع إلى خير جزاء في رحاب الجنان تحتم على كل مخلص أن يلم بأحكامها وآدابها رجاء نيل بركتها وعظيم ثوابها غير منقوص، وتخليصها من البدع والآفات التي ربما تعصف بها بالكلية ويصير تعبنا هباء منثورا.

لذلك رأيت أن أجمع من دقيق المسائل وغوامض الأسرار الفقهية ما تمس إليه الحاجة راجيا النفع لي ولعموم المسلمين، والله المستعان وعليه التكلان.

 

- سئل الشيخ ابن باز عن بعض الناس إذا صلى مع الإمام الوتر وسلم الإمام قام وأتى بركعة ليكون وتره آخر الليل فقال:

لا نعلم في هذا بأساً نص عليه العلماء ولا حرج فيه حتى يكون وتره في آخر الليل. ويصدق عليه أنه قام مع الإمام حتى ينصرف لأنه قام معه حتى انصراف الإمام وزاد ركعة لمصلحة شرعية حتى يكون وتره آخر الليل فلا بأس بهذا ولا يخرج به عن كونه ما قام مع الإمام بل هو قام مع الإمام حتى انصرف لكنه لم ينصرف معه بل تأخر قليلاً. [الجواب الصحيح من أحكام صلاة الليل والتراويح للشيخ عبد العزيز بن باز ص 541]

وأمْرُ النبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأن تكون آخر الصلاة بالليل هي الوتر، أمرٌ على سبيل الاستحباب لا الوجوب فإن أوتر مع الإمام وانصرف معه، فلا حاجة إلى الوتر آخر الليل، فإن استيقظ آخر الليل صلى ما كُتب له شفعا (أي ركعتين ركعتين) ولا يعيد الوتر، فإنه لا وتران في ليلة.

 

- القنوت في تعريف الفقهاء هو: " اسم للدعاء في الصلاة في محل مخصوص من القيام ". وهو مشروع في صلاة الوتر بعد الركوع على الصحيح من قولي العلماء. ومشروع إذا نزلت بالمسلمين نازلة فيدعو بعد الرفع من الركوع في آخر ركعة من كل فريضة من الصلوات الخمس، حتى يكشف الله النازلة، ويرفعها عن المسلمين. [تصحيح الدعاء للشيخ بكر أبو زيد ص 460]

وأما القنوت في صلاة الصبح دائماً في جميع الأحوال فإنه " لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خص الصبح بالقنوت، ولا أنه داوم عليه في صلاة الصبح، وإنما الذي ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قنت في النوازل بما يناسبها، فقنت في صلاة الصبح وغيرها من الصلوات يدعو على رعل وذكوان وعُصَيَّة لقتلهم القراء الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم إليهم ليعلموهم دينهم، وثبت في صلاة الصبح وغيرها يدعو للمستضعفين من المؤمنين أن ينجيهم الله من عدوهم، ولم يداوم على ذلك، وسار على ذلك الخلفاء الراشدون من بعده، فخير ( للإمام ) أن يقتصر على القنوت في النوازل اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عن أبي مالك الأشجعي قال: قلت لأبي: يا أبت قد صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلف أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أفكانوا يقنتون في الفجر؟ فقال: (أي بنيّ مُحدَث) رواه الخمسة إلا أبا داود ( وصححه الألباني في الإرواء 435)، وإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. [اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (7/47).]

 

- لدعاء القنوت في صلاة الوتر صيغ واردة منها:

1- الصيغة التي علمها رسول الله صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي رضي الله عنهما، وهي:( اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لني فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، لا منجى منك إلا إليك ) [أبو داود  والنسائي  وصححه الألباني في الإرواء 429].

2- وعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ " [الترمذي وصححه الألباني في الإرواء 430]. ولا بأس أن يزيد عليه من الدعاء المشروع والطيّب الصحيح.

ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت عن بعض الصحابة رضي الله عنهم في آخر قنوت الوتر، منهم: أُبي بن كعب، ومعاذ الأنصاري رضي الله عنهما. [تصحيح الدعاء للشيخ بكر أبو زيد ص460]

 

- قنوت النوازل يدعو بما يناسب الحال كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن قبائل من العرب غدروا بأصحابه وقتلوهم، ودعا للمستضعفين من المؤمنين بمكة أن يُنجيهم الله تعالى، وورد عن عمر أنه قنت بهذا الدعاء: ( اللهم إنا نستعينك ونؤمن بك، ونتوكل عليك ونثني عليك الخير ولا نكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، إن عذابك الجدَّ بالكفار مُلحق، اللهم عذِّب الكفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك " رواه البيهقي 2/210 وصححه الألباني في الإرواء 2/170 وقال الألباني: ( هذه الرواية ) عن عمر في قنوت الفجر، والظاهر أنه في قنوت النازلة كما يُشعر به دعاؤه على الكفار.

فإن قلت: هل يمكنني أن أدعو بغير ما ذُكر ؟

فالجواب:

نعم، يجوز ذلك، قال النووي في المجموع (3/497): الصحيح المشهور الذي قطع به الجمهور أنه لا تتعين بها ( أي بهذه الصيغة )، بل يحصل بكل دعاء.

وبما أنَّ الصيغة الواردة لا تتعين بذاتها، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يدع بها، فلا حرج من الزيادة عليها، قال الشيخ الألباني رحمه الله: " ولا بأس من الزيادة عليه بلعن الكفرة ومن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء للمسلمين " [قيام رمضان للألباني 31].

 

- دعاء القنوت سنة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقنت، وقد علم الحسن القنوت وكلمات القنوت في الوتر، فهو سنة، فإذا قرأت في كل ليلة فلا بأس، وإن تركت في بعض الأحيان حتى يعلم الناس أنه ليس بواجب.

 

- أكثر الأحاديث والذي عليه أكثر أهل العلم: أن القنوت بعد الركوع، وإن قنت قبل الركوع فلا حرج، فهو مُخير بين أن يركع إذا أكمل القراءة، فإذا رفع وقال: ربنا ولك الحمد قنت... وبين أن يقنت إذا أتم القراءة ثم يُكبر ويركع، كل هذا جاءت به السنة " [الشرح الممتع، ابن عثيمين 4/64. وانظر موقع الإسلام سؤال وجواب: فتوى رقم 20031]

 

- لا بأس للمصلي إن طال قيامه في الصلاة أن يعتمد على إحدى رجليه تارة، وعلى الأخرى ؛ ليريح نفسه، وتسمى هذه الفعلة "المراوحة"، على أن لا يقدِّم رجلاً على أخرى، فتكون رجلٌ مع الناس وأخرى متقدمة أو متأخرة عنهم، والمراوحة جائزة لمن له عذر، ومكروهة من غير عذر.

 

- ليس في السنة النبوية دعاء خاص بعد ختم القرآن الكريم، ولا حتى عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو الأئمة المشهورين، ومن أشهر ما ينسب في هذا الباب الدعاء المكتوب في آخر كثير من المصاحف منسوباً لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، ولا أصل له عنه.

 

- لا ينبغي القول إن صلاة الترويح نافلة مطلقة فيجوز أن تؤدى في أي ليلة وجماعة؛ لأن صلاة التروايح مقصودة لشهر رمضان، ومصليها يقصد الأجر المترتب على قيامه، والجماعة فيها ليست كحكم الجماعة في غيرها، فيجوز في رمضان أن يصلى قيامه جماعة في كل ليلة مع الإعلان والتشجيع عليه، بخلاف القيام في غيره فإنه لا يسن إلا ما جاء من غير قصد أو بقصد التشجيع والتعليم، فيسن أحياناً دون الالتزام بفعله دائماً.

قال الشيخ محمد الصالح العثيمين –رحمه الله-: التَّراويحَ في غير رمضان بِدْعةٌ، فلو أراد النَّاس أنْ يجتمعوا على قيام الليل في المساجد جماعة في غير رمضان لكان هذا من البِدع.

 

 

جمع وترتيب


د/ خالد سعد النجار


alnaggar66@hotmail.com

  

 

 

الثلاثاء، 23 يوليو 2013

الصوم .. حصن المؤمن


عن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-:
( الصيام جنة، وهو حصن من حصون المؤمن، وكل عمل لصاحبه، إلا الصيام، يقول الله: الصيام لي و أنا أجزي به ) (1)

الصوم عبادة السادات، وعبادة السادات سادات العبادات، وأحلى أعطيات الصوم وأغلى معانيه «الإخلاص»، والإخلاص تجرد وخلاص، والصوم هو العبادة الوحيدة التي خصت بالنسبة إلى الله تعالى: (الصيام لي وأنا أجزي به)
·       الصيام جٌنة
الجنة بضم الجيم: كل ما ستر ومنه (المجن) وهو الترس، وإنما كان الصوم جنة لأنه إمساك عن الشهوات، والنار محفوفة بالشهوات. قال ابن الأثير في النهاية: معنى كونه جنة، أي: يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات (2)
وقال المناوي: (الصيام جنة) أي سترة بين الصائم وبين النار، أو حجاب بين الصائم وبين شهوته، لأنه يكسر الشهوة ويضعف القوة.
وقال أيضا: (الصيام جنة) أي ترس يدفع المعاصي أو النار عن الصائم، كما يدفع الترس السهم. (3)
وقال أيضا: (الصوم جنة) وقاية في الدنيا من المعاصي بكسر الشهوة وحفظ الجوارح، وفي الآخرة من النار لأنه يقمع الهوى ويردع الشهوات التي هي من أسلحة الشيطان، فإن الشبع مجلبة للآثام منقصة للإيمان، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطنه) (4) فإذا ملأ بطنه انتكست بصيرته وتشوشت فكرته وغلب عليه الكسل والنعاس فيمنعه عن وظائف العبادات، وقويت قوى البدن وكثرت المواد والفضول فينبعث غضبه وشهوته وتشتد مشقته لدفع ما زاد على ما يحتاجه بدنه فيوقعه ذلك في المحارم، قال بعض الأعلام: صوم العوام عن المفطرات، وصوم الخواص عن الغفلات، وصوم العوام جنة عن الإحراق، وصوم الخواص جنة لقلوبهم عن الحجب والافتراق. وقال صلى الله عليه وسلم: (الصوم جنة من عذاب الله) (5) فليس للنار عليه سبيل كما لا سبيل لها على مواضع الوضوء، لأن الصوم يغمر البدن كله فهو جنة لجميعه برحمة اللّه من النار . وقال ابن عبد: حسبك بهذا فضلا للصائم (6)
وقال القاري: الصوم ثالث أركان الإسلام، شرعه سبحانه لفوائد أعظمها كونه موجب لشيئين أحدهما ناشئ عن الآخر: سكون النفس الأمارة وكسر شهوتها في الفضول المتعلقة بجميع الجوارح من العين واللسان والأذن والفرج فإن به تضعف حركتها في محسوساتها، ولذا قيل: «إذا جاعت النفس شبعت جميع الأعضاء وإذا شبعت جاعت كلها»، والناشئ عن هذا صفاء القلب عن الكدر، فإن الموجب لكدوراته فضول اللسان والعين وباقيهما، وبصفائه تناط المصالح والدرجات. (7) 
 وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال-صلى الله عليه وسلم-: (الصيام جنة، وحصن حصين من النار) (8)‌ قال المحقق أبو زرعة: من هذا الخبر أخذ جمع أن الصوم أفضل العبادات البدنية مطلقاً، لكن ذهب الشافعي إلى أن أفضلها الصلاة. (9)
وعن جابر -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: (قال الله تعالى: الصيام جنة يستجن بها العبد من النار، وهو لي، وأنا أجزي به) (10) ‌قال المناوي ( … وأنا أجزي به) صاحبه بأن أضاعف له الجزاء بلا حساب، لأن فيه الإعراض عن لذات الدنيا والنفس وحظوظها، ومن أعرض عنها ابتغاء وجه اللّه لم يجعل بينه وبينه حجاب. واعلم أن الصوم من أخص أوصاف الربوبية إذ لا يتصف به على الكمال إلا اللّه تعالى، فإنه يطعم ولا يطعم، فإضافته إلى نفسه بقوله ( .. وأنا أجزي به) لكونه لا يتصف به أحد على الحقيقة إلا هو، لأنه الغني عن الأكل أبد الآبدين، ومن سواه لا بد له منه، وقد دعا الباري إلى الاتصاف بأوصافه وتعبدهم بها بعد الطاقة، والصوم من أخصها، وأصعب الأشياء على النفوس لكونه خلاف ما جبلوا عليه، لما أن وجودهم لا يقوم إلا بمادّة بخلاف الغنى عن كل شيء. (11)
الصيام حصن من حصون المؤمن
فالصوم رقة للقلب، وصيانة للجوارح، والصوم قطع لأسباب التعبد لغير الله تعالى، وهو شعار الأبرار كما صح عن رسولنا -صلى الله عليه وسلم- أنه كان يدعو ويقول: (جعل الله عليكم صلاة قوم أبرار، يقومون الليل ويصومون النهار، ليسوا بأثمة ولا فجار) (12)
قال ابن القيم رحمة الله تعالى عليه: ومن عقوبة المعاصي ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي، فلا تراه إلا خائفا مرعوبا، فإن الطاعة حصن الله الأعظم الذي من دخله كان من الآمنين من عقوبات الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه أحاطت به المخاوف من كل جانب، فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانا، ومن عصاه انقلبت مأمنه مخاوف، فلا تجد العاصي إلا وقلبه كأنه بين جناحي طائر، إن حركت الريح الباب قال: «جاء الطلب» وإن سمع وقع قدم خاف أن يكون نذيرا بالعطب، يحسب كل صيحة عليه، وكل مكروه قاصد إليه، فمن خاف الله آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء. (13)
 وقال أيضا: الطاعة حصن الرب تبارك وتعالى الذي من دخله كان من الآمنين، فإذا فارق الحصن اجترئ عليه قطاع الطريق وغيرهم، وعلى حسب اجترائه على معاصي الله يكون اجتراء هذه الآفات والنفوس عليه، وليس شيء يرد عنه، فإن ذكر الله وطاعته والصدقة وإرشاد الجاهل والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وقاية ترد عن العبد، بمنزلة القوة التي ترد المرض وتقاومه، فإذا سقطت القوة غلب وارد المرض وكان الهلاك، ولا بد للعبد من شيء يرد عنه فإن موجب السيئات والحسنات يتدافع ويكون الحكم للغالب كما تقدم، وكلما قوى جانب الحسنات كان الرد أقوي (14)
الصيام لي
[ وفي رواية: (يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي، الصيام لي وأنا أجزي به … ) (15) فإضافة الصوم لله تعالى تشريفا لقدره وتعريفا بعظيم فخره، قال ابن عبد البر: كفى بقوله: (الصوم لي) فضلا للصيام على سائر العبادات (16)
فقوله تعالى في الحديث القدسي: (الصيام لي وأنا أجزي به) مع أن الأعمال كلها له وهو الذي يجزي بها، لأن الصوم لا يقع فيه الرياء كما يقع في غيرها، فإن حال الممسك شبعا مثل حال الممسك تقربا في الصورة الظاهرة. قال أبو عبيدة: إنما خص الصيام لأنه ليس يظهر من ابن آدم فعله، وإنما هو شيء في القلب، وذلك لأن الأعمال لا تكون إلا بالحركات، إلا الصوم فإنما هو بالنية التي تخفى على الناس.
وقال القرطبي: لما كانت الأعمال يدخلها الرياء والصوم لا يطلع عليه بمجرد فعله إلا الله فأضافه الله إلى نفسه، ولهذا قال في الحديث: (يدع شهوته من أجلي) (17).
وقال ابن الجوزي: جميع العبادات تظهر بفعلها، وقل أن يسلم ما يظهر من شوب بخلاف الصوم.
ومعنى: (لا رياء في الصوم) أنه لا يدخله الرياء بفعله، وإن كان قد يدخله الرياء بالقول، كمن يصوم ثم يخبر بأنه صائم، فقد يدخله الرياء من هذه الحيثية، فدخول الرياء في الصوم إنما يقع من جهة الإخبار بخلاف بقية الأعمال فإن الرياء قد يدخلها بمجرد فعلها ] (18)
 وقال المناوي: والموجب لاختصاص الصوم بهذا الفضل أمران أحدهما :أن جميع العبادة مما يطلع عليه العباد والصوم سر بينه وبين اللّه يفعله خالصاً لوجهه ويعامله به طالما لرضاه، الثاني: أن جميع الحسنات راجعة إلى صرف المال فيما فيه رضاه، والصوم يتضمن كسر النفس وتعريض البدن للنقص والتحول مع ما فيه من الصبر على مضض الجوع وحرقة العطش، فبينه وبينهما أمد بعيد لفراغه بغير قاطع أو لخلوصه للّه  (19)
و أنا أجزي به
قال ابن حجر في الفتح : ( … وأنا أجزي به ) أي أني أنفرد بعلم مقدار ثوابه وتضعيف حسناته، وأما غيره من العبادات فقد اطلع عليها بعض الناس. وقال القرطبي: معناه أن الأعمال قد كشفت مقادير ثوابها للناس وأنها تضاعف من عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء الله، إلا الصيام فإن الله يثيب عليه بغير تقدير. ويشهد لهذا السياق الرواية الأخرى يعنى رواية الموطأ، وكذلك رواية الأعمش عن أبى صالح حيث قال: (كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله - قال الله - إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزى به) أي أجازى عليه جزاء كثيرا من غير تعيين لمقداره، وهذا كقوله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر: 10] انتهى.
والصابرون الصائمون في أكثر الأقوال. قلت: وسبق إلى هذا أبو عبيد في غريبه فقال: بلغني عن ابن عيينة أنه قال ذلك، واستدل له بأن الصوم هو الصبر لأن الصائم يصبر نفسه عن الشهوات، وقد قال الله تعالى: {إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} (20)
وقال المناوي: (وأنا أجزي به) إشارة إلى عظم الجزاء عليه وكثرة الثواب، لأن الكريم إذا أخبر بأنه يعطي العطاء بلا واسطة اقتضى سرعة العطاء وشرفه، قال القاضي: ثواب الصائم لا يقدر قدره ولا يقدر على إحصائه إلا اللّه، فلذلك يتولى جزاءه بنفسه ولا يكله إلى ملائكته (21)

 

الهوامش والمصادر

 (1) ‌رواه الطبراني  في المعجم الكبير برقم 7608، والهيثمي في مجمع الزوائد ج: 3 ص: 180  (حسن) حديث رقم: 3881 في صحيح الجامع.السيوطي / الألباني (2) النهاية في غريب الحديث/ابن الأثير 3/586 ‌ (3) ( صحيح ) حديث 3865 في صحيح الجامع  (4) ( صحيح ) حديث 5674 في صحيح الجامع (5) ( صحيح ) حديث 3866 في صحيح الجامع (6) فيض القدير للمناوي في مواضع متعددة 2/458، 2/558، 3/256 (7) مرقاة المفاتيح / القاري 4/229 (8) رواه أحمد (حسن) حديث 3880 في صحيح الجامع (9) فيض القدير للمناوي 2/586 (10) (حسن) انظر حديث رقم: 4308 في صحيح الجامع (11) فيض القدير 1/588 (12) رواه عبد بن حميد والضياء عن أنس ( صحيح ) حديث 3097 في صحيح الجامع  (13) الجواب الكافي / ابن القيم ج:1 ص:50 (14) المصدر السابق (15) ( صحيح ) حديث 3877 في صحيح الجامع (16) سنن البيهقي 5/586 (17) ( صحيح )  انظر حديث رقم : 4538 في صحيح الجامع (18) نداء الريان في فقه الصوم وفضل رمضان  د/ سيد العفاني ج1 ص 30 (19) فيض القدير 2/586 (20) فتح الباري ج4 / 130 (21)  فيض القدير / المناوي 4/251

 

د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com


الصوم بين الظاهر و الحقيقة



تقوم العبادات في الإسلام على ظواهر وحقائق لا يتم كمالها وتمامها إلا بأدائها، فالظواهر هي ما يتناوله الفقهاء بالحديث عن أركان وشروط العبادة، كوقت أدائها وكيفية الأداء والسنن والمستحبات المصاحبة لها والنواقض والبدع التي طرأت عليها.
وأما الحقائق فيقصد بها الأمور الباطنة الخاصة بروح العبادة، والمقصودة حقيقة منها كي تنال القبول عند الله تعالى ويكون عليها الجزاء الأوفى في الدنيا والآخرة، كالإخلاص المنافي للرياء، والخشوع المنافي للغفلة.. وغيرها من الآداب والفضائل.
ونحن في حديثنا عن الظواهر والحقائق الخاصة بالعبادة لا نماثل ولا نوافق الفرق الضالة المبتدعة التي ظهرت في بعض العصور الإسلامية والتي قسمت الدين إلى ظاهر وباطن كالباطنية، أو التي قسمت الإسلام إلى شريعة وحقيقة كغلاة المتصوفة، وكان القصد خبيثا وراء تلك التقاسيم، لتفريغ الدين عن محتواه الحقيقي وتفسيره وفق أهوائهم، ونصرة آرائهم الباطلة.
بل إننا نعنى بحقيقة العبادة: تلك الآداب التي تلزم هذه العبادة كي تصل إلى درجة الكمال، وهو ما يتحدث عنه علماء السلوك والزهد والرقائق معتمدين في حديثهم على الفهم الصحيح للآيات القرآنية والسنة النبوية الثابتة عن المعصوم صلوات الله وسلامه عليه.
وحاجة العبادات لصلاح الظاهر والباطن أمرا معلوما من الدين بالضرورة، نجد له شواهد عديدة في الكتاب الجليل والسنة الصحيحة.
ففي الدعوة للإخلاص يقول تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة و ذلك دين القيمة } [البينة:5]، وكان صلى الله عليه وسلم يقول عند تلبيته بالحج: «اللهم حجه لا رياء فيها ولا سمعه»(1)
وفي الدعوة للخشوع يقول صلى الله عليه وسلم: «رب قائم ليس له من قيامه إلا السهر»(2)، ويقول صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها» (3) 
 وهذا الأمر يشمل الصيام أيضاً باعتباره من أجل العبادات، فالفقهاء عرفوا الصيام بأنه: «إمساك المكلف بالنية عن تناول المطعم والمشرب والاستمناء والاستقاء من الفجر إلى المغرب». وقسموه ثلاثة أقسام: واجب للزمان وهو صوم شهر رمضان، وواجب لعله وهو صوم الكفارات، وواجب بإيجاب الإنسان على نفسه وهو صوم النذور.
وكتب الفقه الإسلامي مملوءة بالعديد من الضوابط والأحكام الخاصة بالصوم كأركان الصيام ونوا قضه والقضاء والفدية والكفارات إلى غير ذلك من الأحكام.
وأما عن حقيقة الصيام فهناك العديد من الآداب التي لابد لها وأن تلازم الصائم كي يتم له صومه الحقيقي المتقبل عند الله تعالى، ولا يكون كمن قال فيه صلى الله عليه وسلم: «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع»(4)
يقول الإمام الغزالي: «اعلم أن الصوم ثلاث درجات: صوم العموم، وصوم الخصوص، وصوم خصوص الخصوص. أما صوم العموم: فهو كف البطن والفرج عن قضاء الشهوة، وأما صوم الخصوص: فهو كف السمع والبصر واللسان واليد والرجل وسائر الجوارح عن الآثام، وأما صوم خصوص الخصوص: فصوم القلب عن الهضم الدنية والأفكار الدنيوية وكفه عما سوى الله بالكلية، فهو إقبال بكنه الهمة على الله عز وجل وانصراف عن غير الله سبحانه»(5).
وقال البيضاوى: «ليس المقصود من شرعية الصوم نفس الجوع والعطش، بل ما يتبعه من كسر الشهوات، وتطويع النفس الأمارة للنفس المطمئنة، فإذا لم يحصل ذلك لا ينظر الله إليه نظر القبول».
ولا يتم الصوم الحقيقي إلا بالعديد من الآداب التي لابد أن يتحلى بها الصائم، نذكر منها:
·   الإخلاص: هو إفراد الله عز وجل بالقصد في الطاعات، فلا تؤدى إلا ابتغاء رضاه، لا من أجل مدح مادح، ولا لتحصيل منفعة دنيوية، قال تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحاً ولا يشرك بعباده ربه أحداً} [الكهف:110] وعن أبى أمامه رضي الله عنه قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال أرأيت رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر ما له؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا شيء له» فأعادها ثلاث مرات، ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا شيء له» ثم قال: «إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصاً و ابتغى به وجهه» (6)
وقد يقدم بعض المسلمين على الصوم في رمضان حياء من الناس لا من الله، أو رغبة في منفعة شخصية لا ربانية، كحرج رب الأسرة أن يكون مفطراً وأولاده وزوجته صائمون، أو الخشية من تجريح وملامة الناس له على فطره، أو يجد البعض الصوم فرصة سانحة لتقليل الوزن، أو الراحة من آلام بالمعدة والقولون فيفضلون الصوم طلبا للصحة، أو مجرد التشاؤم من الفطر في هذا الشهر الكريم... أو غير ذلك من الأسباب. فلا يسعنا إلا أن نقول لمثل هؤلاء: صومكم فقد الإخلاص، الذي هو روحه وشرطا من شروطه الأساسية، وليس مقبولا عند الله تعالى بشهادة الله وشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله لا يقبل من العبادة إلا ما كانت له خالصة وابتغى بها وجهه. 
·   صوم القلب: وهو واجب في رمضان وغيره، ومتأكد في هذا الشهر الكريم العظيم لعظم حرمته ويكون بصون القلب عن الشركيات المهلكة والاعتقادات الباطلة والوساوس السيئة والنوايا الخبيثة والخطرات الموحشة حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «ألا وإن في الجسد مضغه إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا و هي القلب»(7)                     
فرحم الله عبداً امتلأ قلبه إيماناً ويقيناً فانعكس ذلك على جوارحه فطلبت كل خير وابتعدت عن كل شر، والمؤمن الحريص على سلامه قلبه عليه أن يحذر وساوس ومداخل الشيطان إلى نفسه ومن أعظمها الغضب والشهوة والحسد والحرص والبخل والتعصب للمذاهب والأهواء.
وأمراض القلوب تجمعها أمراض الشهوات وأمراض الشبهات والقرآن شفاء للنوعين، وهذا الشهر المبارك هو شهر القرآن فأحرى بالمسلمين الإقبال على كتاب الله بتدبر وخشوع حتى تصح قلوبهم التي لا نجاه إلا لصاحبها يوم القيامة، قال تعالى: {يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم} [الشعراء:88]  وقال تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن:11] وهداية القلب أساس كل هداية ومبدأ كل توفيق.
·   صوم البصر: وذلك بغض البصر عن كل ما يحرم النظر إليه، قال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم و يحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن … } الآيات من سورة النور 30 – 31، وعن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نظرة الفجأة؟ فقال: «اصرف بصرك»(8)، وكان عيسى بن مريم يقول: «النظرة تزرع في القلب الشهوة وكفى بها خطيئة».
فالعين كما هو معلوم منفذ للقلب، وباب للروح فإذا خربت العين خرب القلب، وهي تزني وزناها النظر، والنظرة بريد الزنا وهي سهم مسمومة من سهام إبليس. قال شاة الكرمانى: «من غض البصر عن الحرام، وعمر باطنه بالتقوى، وظاهرة بإتباع السنة لم تخطئ له فراسة» وتلا قوله تعالى: {إن في ذلك لآيات للمتوسمين} [الحجر: 75]، فإطلاق البصر إلى ما لا يحل يحرك في المرء الشهوة الكامنة، ويوقع العبد في الغفلة وإتباع الهوى، ويطفئ نور الإيمان والبصيرة في القلب، ويستحكم الشيطان على المرء فيقوده للمعصية تلو الأخرى.
·   صوم اللسان: وذلك بحفظه عن الخوض في الباطل كالغيبة والنميمة والفحش والبذاء واللعن والسخرية من الخلق.. وغيرها من آفات اللسان المهلكة. قال صلى الله عليه وسلم: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجه في أن يدع طعامه وشرابه»(9). وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله فليقل إني صائم إني صائم»(10)
والمؤمن الصادق الإيمان لا يخوض في الباطل بأي حال من الأحوال، حيث يقول صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت»(11). وحفظ اللسان من الآداب الكريمة المؤكدة في حق الصائم. وصدق والله الحسن البصري في قوله: «ما عقل دينه من لم يحفظ لسانه». وكيف لا وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم القيامة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم القيامة»(12)، وفصل الخطاب قوله صلى الله عليه وسلم: «من صمت نجا»(13)
فإلى الذين يبحثون عن التسلية في نهار رمضان، ويجلسون يقعون في هذا وفي هذا، ويخوضون في ما لا يرضى الله، نقول لهم : عليكم بكتاب الله تلاوة وتدبراً فإن فيه طهارة ألسنتكم وقلوبكم وجدير بمن صام لربه حقاً أن يقبل على كلامه، فيكون نوراً على نور وشفاءً على شفاء.
·   صوم الأذن: وذلك بكف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه كالغناء والفحش والبذاء، لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه، ولذلك سوى الله عز وجل بين المستمع وآكل السحت، فقال تعالى: {سماعون للكذب أكالون للسحت} [المائدة:63] والمؤمنون الصادقون هم الذين يسمعون القول فيتبعون أحسنه، فأجدر بالصائم سماع آيات كتاب الله والإقبال في هذا الشهر على سماع دروس العلم والمواعظ الحسنه، وتلك من كمالات الصيام الحق. قال تعالى {وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين} [القصص:55]
·   أن لا يستكثر من الطعام الحلال وقت الإفطار: بحيث يمتلئ جوفه، وكيف يستفاد من الصوم في قهر عدو الله وكسر الشهوة إذا تدارك الصائم عند فطرة ما فاته ضحوة نهاره، فرقه القلب وصفاؤه إنما تكون بترك الشبع، قال الجنيد: «يجعل أحدهم بينه وبين صدره مخلاة من الطعام، ويريد أن يجد حلاوة المناجاة». فحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، ومن أكل كثيراً نام كثيراً فخسر كثيراً. قال الحسن: «حتى إذا أخذته الكظة، ونزلت به البطنة، قال: يا غلام، ائتني بشيء أهضم به طعامي، يا لكع أطعامـك تهضم؟ إنما تهضم دينك».
وأخيرا نقول للذين لا يراعون آداب الصوم: كفاكم جوعـاً وعطشاً، وأقبلوا على الله قولاً وعملاً، ظاهراً وباطناً، إنه خير مسئول، وهو البر الرحيم ذو القوة المتين. وحسبكم هذه المقولة الرائعة لسيدنا جابر بن عبد الله رضي الله عنه حيث يقول: «إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينه يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك وفطرك سواء».

الهوامش والمصادر
(1)رواه ابن ماجة عن أنس ( صحيح ) 1302 في صحيح الجامع (2) رواه ابن ماجة عن أبي هريرة ( صحيح ) 3488 في صحيح الجامع. ‌(3) رواه أحمد عن عمار بن ياسر ( صحيح ) 1626 في صحيح الجامع  (4) رواه ابن ماجة عن أبي هريرة   ( صحيح ) 3488 في صحيح الجامع  (5) إحياء علوم الدين 1 /277 (6) رواه النسائي عن أبي أمامة  ( حسن ) 1856 في صحيح الجامع  (7) رواه البخاري عن النعمان بن بشير – كتاب الإيمان رقم 50، ومسلم  كتاب المساقاة رقم 2996 (8) رواه أبو داود – كتاب النكاح رقم 1836 (9) رواه البخاري عن أبي هريرة – كتاب الصوم رقم 1770 (10) رواه مسلم عن أبي هريرة – كتاب الصوم رقم 1941   (11) رواه مسلم عن أبي هريرة – كتاب الإيمان رقم 67 (12) رواه مالك وأحمد عن بلال بن الحارث  ( صحيح ) 1619 في صحيح الجامع (13) رواه أحمد والترمذي عن ابن عمرو ( صحيح )  6367 في صحيح الجامع. ‌
-         نداء الريان       فقه الصوم    د / سيد العفانى – دار العلم ط الثانية
-         البحر الرائق        / أحمد فريد – مكتبة الإيمان – الإسكندرية
-         مجالس شهر رمضان /  العثيمين – مكتبة آل ياسر      - دروس الزمان  / سعيد عبد العظيم - مكتبة الإيمان – الإسكندرية

د/ خالد سعد النجار

alnaggar66@hotmail.com